محمد بن علي الشوكاني
502
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
المقالة كما قدمنا ، وهم جميعا يخالفونك ، ويثبتون المعاد الجسماني ، واللذات الجسمانية ، ويكفرون من لم يثبتها كما كفروك ويلعنونه كما يلعنوك . وإن أردت علماء الملة النصرانية ، فهم متفقون بأسرهم على إثبات المعاد الجسماني ، وإثبات اللذات الجسمانية والنفسانية فيه ، وكيف يخالف منهم مخالف في ذلك ، والإنجيل مصرح هذا الإثبات تصريحا ، لا يبقى عنده ريب لمرتاب . وإن أردت علماء الملة الإسلامية فذلك كذب بحت ، وزور محضر ، فإنهم مجمعون على ذلك ، لا يخالف منهم فيه مخالف . ونصوص القرآن من فاتحته إلى خاتمته مصرحة بإثبات المعاد الجسماني ، وإثبات تنعم الأجسام فيه بالمطعم والمشرب والمنكح وغير ذلك ، أو تعذيبها بما اشتمل عليه القرآن من تلك الأنواع المذكورة فيه ، وهكذا النصوص النبوية المحمدية مصرحة بذلك تصريحا يفهمه كل عاقل ، بحيث لو جمع ما ورد في ذلك منها لجاء مؤلفا بسيطا . وأما استدلاله بقوله في التوراة : " لكي يطيب لك في العالم الذي كله طيب ، ويطيل أيامك في العالم الذي كله طائل " فهذا دليل على الملعون ، فإن الخطاب في الدنيا لمجموع الشخص الذي هو الجسم والروح . وظاهره أنه يكون له هذا على الصفة التي خوطب وهو عليها ، وأنه يحصل له جميع ما يتلذذ به من اللذات الجسمانية والنفسانية ، ومن ادعى التخصيص ببعض الشخص ، أو ببعض اللذات ، فهو يدعي خلاف الظاهر . ولكن المحرف المتزندق لا مقصد له إلا التلبيس على أهل الأديان . وكذلك قوله : " وقد قال النبي أشعيا : إن العالم المستقبل ليس يُدرك بالحواس ، وهو قوله : " لا عين تقدر أن تراه " . فإن هذا هو مثل ما قدمنا من كلام الأنبياء في استعظام ما عند الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة . وهذا تعرف أنه لم يكن في كلام هذا الملعون الزنديق ما يتمسك به متمسك ، أو يغتر به مغتر [ 11 ] ، بل هو خلاف ما في كتب الله جميعا كما قدمنا ، وخلاف ما عند علماء الملل ، بل خلاف ما أقره به في كلامه السابق إقرار مكررا . فيا عجبا لمن يتمسك بمثل هذا الكلام الذي لم يجر على نمط ملة من الملل ، ولا وافق نصا من نصوص كتب الله - سبحانه - ، ولا نصا من نصوص رسل الله جميعا ! ،